حين انتقلت مؤخرا للعمل مع إحدى المؤسسات الإعلامية العربية، كان الحماس يدفعني إلى بداية جديدة مع زملاء جدد في بيئة عمل مختلفة. هذا الحماس وليد رغبة طبيعية بالتجديد وكسر الروتين لدى الصحفي الذي يعيش وسط كومة من الأحداث المتشابكة.

كل ذلك بدا طبيعيا إلى أن اصطدم الأمر بمحددات العمل الجديدة، والخطوط العريضة التي من المقرر السير عليها. ولا أُخفي سرا أن الأمر لم يكن سهلا بالنسبة لشخص اعتاد على طراز من الإملاءات التحريرية على مدار أكثر من أربع سنوات.

ففي المؤسسة السابقة كان الخط التحريري يتخذ نهجا مؤطرا يخدم الجهة الداعمة للمؤسسة ماليا ويعبّر عن توجهاتها، وهذا الأمر انتقل معي إلى وسيلة الإعلام الجديدة، إذ وجدت نفسي حاملا نفس التوجيهات التحريرية السابقة دون إدراك مني.

ولا شك أنني قطعت شوطا في محاولة الفصل بين الخطين التحريريين السابق والحالي، في محاولة للانتقال إلى نهج أكثر اتزانا وحيادية، مع الإشارة إلى أن ذلك لم يكن بالأمر الهيّن، فقد احتجت ساعات إضافية خارج أوقات الدوام لمحاولة فهم السياسة الجديدة، وذلك بإعادة تهيئة نفسي بالتخلي عن الضوابط التحريرية السابقة. 

وربما لا يدرك الصحفي انغماسه في سياسة المؤسسة وخضوعه لها بعد أن تنال منه، أي بعد قطع شوط زمني طويل يتشرب خلاله الإملاءات التي قررتها وسيلة الإعلام لضبط محددات العمل وضمان التعبير عن رؤيتها وسياستها.

وبصرف النظر عن العوامل الخارجية التي تؤثر على القائم بالاتصال من قبيل السلطة السياسية والجمهور والنقاد والنظام المجتمعي، فإن هناك عوامل أخرى داخلية تشمل ضغوط سياسة المؤسسة من جهة، وأخرى تتعلق بشخص الصحفي ذاته.

تلك العوامل تتمثل في ميول الصحفي واتجاهاته وفرص التعبير عنها، مع الأخذ بعين اللازم ألا يخدش سياسة المؤسسة التي يفرضها عليه ضميره ووازعه الشخصي.