يقتضي فهم العلمانية فهم الواقع الذي جاءت لإصلاحه إبان نشأتها الأولى في أوربا، وقد رأينا في الفصل السابق أنه مشابه للواقع الذي واجهته الكثير من نصوص القرآن والسنة وتصرفات الصحابة، فكلاهما عرف إضفاء القداسة والعصمة على شخص الإنسان أو رأيه، أو هما معا، مما تسبب في التمييز والإكراه وسلب حرية المعتقد والتفكير والتدين…

ولهذا نفهم كيف أصبحت العلمانية في الغرب بعد عصر النهضة قيمة إنسانية كلية تبنتها الأغلبية العظمى من مفكري وعلماء أوربا، فكانوا أشد الناس عداء لتدخل الكنيسة ورهبانها في شؤون العلم والسياسة – لتحجيرهم على العقول بتكلمهم باسم الرب في كل شيء -وكانت تلك هي علمانيتهم، ولم يكن المشكل أبدا في تدخل رجال الدين في العلم والسياسة، بل في القداسة التي أضفوها على آرائهم وقراراتهم، وهذا ما يجعلنا نقول بأنه لو عاش علماء المسلمين في تلك البيئة وفي تلك الظروف لما كانوا أقل علمانية من علمائها.

ومن عجب أن التشابه بين الخبرتين الاسلامية والعلمانية سواء فيما تعلق بادعاء العصمة والقداسة وفرض السلطان الروحي والوصاية الدينية، أو فيما تعلق بأساليب مواجهة ذلك كله لم ينتبه إليه أكثر المفكرين إسلاميين وعلمانيين رغم نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم وإخباره بأن الظروف التي عاشها أهل الكتاب السابقون سوف يعيشها المسلمون اللاحقون [1].

وراح هؤلاء يتحدثون عن انعدام وجود الإكليروس والسلطة الروحية في الإسلام، والآخرون عن انعدام وجود الدولة والسياسة فيه وكأنه حوار للصم والبكم لا يستهدف تشخيص الداء ولا يستطيعه وهو عن وصف الدواء أعجز.

ولو رجع الجميع إلى مقاربة تاريخية تستعرض التجربتين الإسلامية والعلمانية، وكيف ظهر الإشكال وتطور ثم كيف تم حله هنا وهناك، وما هي آليات الحل… لاستطاعوا الخروج من سجالاتهم إلى رأي موحد أو قريب من التوحد، رأي يطور الوعي ويعمم المعرفة ويزيل الحواجز بين مساحات التجربة الإنسانية، فتناول الفكر العلماني بالعالم الإسلامي بمعزل عن تاريخه وتاريخ الإسلام معا يقلص من حدود فهمه ويكرس لتفسيرات عديدة قد لا تلتقي على شيء، فوجب إذن العمل على مراكمة أبحاث ودراسات عديدة تخص منشأ الفكرة وطرق تطورها عبر التاريخ قبل دراسة احتمالات توجهاتها المستقبلية.

ومن دون ذلك سيبقى الحديث عن العلمانية حديثا سجاليا يكرس انقسام المجتمع الإسلامي إلى شطرين متنازعين: إسلاميين وعلمانيين لكل منهما مرجعيته الخاصة وأهدافه الخاصة المناقضة للطرف الآخر.

فمن أجل:

1.  تجاوز القطيعة المعرفية بتوجيه الصراع السياسي والاجتماعي وجهته الموضوعية عبر تكتل جهود المخلصين من أبناء الأمة في تجاوز التناقضات القديمة التي تمثل في أغلب أمرها هروبا من مواجهة التناقضات الحقيقية والمشاكل الحالة.

2. إغناء الخبرتين الإسلامية والعلمانية[2] ببعضهما وتوسيع “جهازيهما ” و” قاموسيهما ” الاصطلاحي [3]

3. ملأ الفــراغ الــروحي والأخلاقــي الذي أحدثـــته التوجـهات المتطرفة، في تطـبيق العلمانية والــذي ” أفقدها التشبث بمصدرها وأصول قيمها من عقلانية وإنسانية “[4] مما جعل الكثير من الفئات الاجتماعية في الغرب تعاني من ” أزمة هوية “[5] وأزمة المعنى والوجود، ولن يتحقق ملأ ” الفراغ الروحي” إلا بموازنة حكيمة بين الديني والزمني، بين الثابت والمتغير، وإحلال الدين مكانته اللائقة في صلب العلاقات الاجتماعية والتشريعية والسياسية.

وإذا انطلقنا من اعتبار أن الغلو ظاهرة لازمة تكف كل تيار أو فلسفة أو دين، كان ذلك نصف الحل، ونصفه الثاني عدم تحميل أي تيار تبعات المغالين ضمنه والمتشددين حوله… وبذلك يمكن نقض الحصون الإيديولوجية والحزبية المغلقة وبناء جسور تواصلية صلبة داخل المجتمع تمكن من تحقيق حوار منفتح مع كل مكونات الثقافة العالمية.

يـــتبــع

في محاولتنا لتتبع تاريخ مصطلح ” laïcité ” نجد أصوله الأولى ترجع إلى النصوص الدينية اليونانية القديمة التي ورد فيها لفظ ” laos ” وكان يعني الشعب (اللاوي) وفي استقلاله وتميزه عن فئة الكهنة ورجال الدين اليهود.

وعندمـا نشـأت الكنيسـة المسيـحية استمدت من جـذر” laos ” مصـطلحـات مثل” laïcus” و”laï ” و” laïque ” لنعت كل شخص أو مؤسسة غير كهنوتية، أو منافية للكنيسة أو معارضة لمبادئها [6].

وتميز القواميس الفرنسية بين لفظ ” laïque ” ولفظ ” laïc ” حيث يحيل الأول إلى الحياة المدنية العادية في مقابل حياة الرهبنة الدينية، ويحيل كذلك إلى كل مؤسسة مستقلة عن السلطات الكنسية، بينما الثاني ” laïc ” فيدل على كل متدين يعمل داخل الكنيسة من دون أن يكون منتميا لسلك الرهبنة.

ويدل مصطلح laïcisation ”  ” أي علمنة على الحركة التي تستبدل الموظفين الدينيين (المنتميين إلى نظام الكهنوت) بموظفين مدنيين عاديين، فعلمنة المدارس والمستشفيات تعني استبعاد رجال الكهنوت عن هاته المؤسسات[7].

وبهذا فمصطلح ” Laïcité ” يحيل إلى كل تصور للمجتمع يقوم على أساس فصل ما بين الكنيسة والدولة ويحظر على الكنائس ممارسة السلطات السياسية والإدارية[8].

وفي اللغة الانجليزية نجد نفس المفهوم معبرا عنه بلفظ ” Secular ” أي كل ما هو زمني ومؤقت في مقابل ما هو ثابت ودائم[9]، وفي الألمانية نجد لفظ “Undenominational”وتوصف به الدولة المحايدة غير الطائفية.


[1]– يراجع حديث ” لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة ” أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة باب 15 وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن.

[2]– في الحاجة إلى إغناء الخبرة العلمانية الغربية يتأمل تصريح رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق ميشال روكار Michel Rocard يكون “حزب الرفاه ” يمثل في السياق التركي نوعا من التراجع فيما يتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ويضيف ذلك ما تعلمناه من تجربتنا في الغرب ” انظر: Michel Rocard: Islam as in the west, there are fanatics and moderates, the diplomat vol 2 sixth issue, November 1997,P:20.

[3]– يستخلص الدكتور يوسف القرضاوي من قوله تعالى: “وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ” سورة إبراهيم الآية 4 ضرورة مخاطبة العقل المعاصر باللسان الذي يبين له، وذلك يتعدى مخاطبة العرب بالعربية والإنجليزية بالإنجليزية والعبراني بالعبرانية، بل يجب أن يشمل استخدام معارف العصر في بيان الحكم الشرعي واستخدام بعض المصطلحات الحديثة إذا كانت تعين على فهم الأحكام الشرعية، انظر د.يوسف القرضاوي: نحو فقه ميسر معاصر، إسلامية المعرفة السنة الثانية العدد الخامس، صفر 1417، يونيو 1996 ص:102.

[4]-Bernared Simpfer, la laïcité, un grigri? Dans la laïcité secrétariat national de l’aumônerie de l’enseignement paris 1989, P : 21.

[5]– المرجع السابق ص 20

-[6] – Guy Coq, Laïcité et République, ce lien nécessaire, Edition du Felin 1995, p15-16

-[7] – Grand dictionnaire encyclopédique, libraire Larousse 1984, tome 9 p : 6087

[8]– المرجع السابق ص 6088

[9]– Dictionary of the English language. Edwin B. Williams general Editor charles Scribners sons New York  p:163