تقريرعبدلاوي لخلافة- نشر في هبة بريس يوم 19 – 02 – 2010
الوعي بالسياق الداخلي (الوحي)، والسياق الخارجي (الواقع ومحاورة الكون) منطلق ضروري لتحقيق الإصلاح المنشود وتفادي وقوع المسلمين في الاضطرابات بفهم تضاريس الواقع المتسارع بإشكالاته المتعددة والعميقة”، هذا ما أكده دكتور “أحمد العبادي”، الأمين العام للرابطة المحمدية لعلماء المغرب، الجمعة 12/2/2010 في محاضرته “الوعي بالسياق منطلق أساسي للإصلاح” والتي كانت ضمن البرنامج السنوي لجمعية “المسار” حول “الإصلاح والتغيير” بالدار البيضاء بالمغرب. حيث استهل “العبادي” محاضرته التي حضرها لفيف من النخب الثقافية والعلمية والفنية والإعلامية، بتوضيح آليات ومستويات فهم السياق بنوعيه الداخلي والخارجي من أجل تحقيق الإصلاح المنشود، مشددا على ضرورة الاهتمام بالبعد المعرفي في الإصلاح والارتقاء به من الوضع “الحاجي” إلى “الضروري” لفهم تضاريس الواقع المتغير.
كما ميز “العبادي” بين علوم التيسير (فهم سياق النص الداخلي) وعلوم التسخير (الحوار المستمر مع الكون)، مازجًا بين اجتهادات الفقهاء المتقدمين (مالك، الشافعي، ربيعة الرأي، ابن القيم، الشاطبي، القاضي عياض..) و(إنجازات العقل الإنساني الحديث.. غرامشي وغيره).
السياق سياقان..!
واستهل “العبادي” حديثه بالتأكيد على أن تفريط المسلمين في فهم السياق بنوعيه: الداخلي والخارجي، كان سببًا في حدوث بعض الاضطرابات والمشكلات التي يعاني منها واقعنا الإسلامي. كما أوضح أن إنتاج الهدي من القرآن والسنة النبوية متوقف على فهم الوحي الذي يُتدين به والواقع الذي يُتدين فيه وأخذ بعين الاعتبار آليات التأقلم والتكيف بين الطرفين.
وأشار “العبادي” إلى مجموعة من المؤشرات التي تكشف اهتمام المسلمين بالسياق، أهمها العمل على استجلاء كيفية تنزيل النبي صلى الله عليه وسلم لنصوص الوحي على الناس بالمدينة المنورة، وقراءة ابن العباس “عم رسول الله” للسياق النفسي للسائل حينما سأله: هل للقاتل من توبة؟ فسد الباب أمامه عندما قرأ في ملامحه أنه عازم على القتل ويريد الرخصة، وفتح الباب لمن رأى أنه قتل فعلا ويريد التوبة. وفي سياق التوضيح قال “العبادي”: إن الاهتمام بالسياق لدى علماء المسلمين حظي بأهمية كبرى، فالإمام مالك أنتج “سد الذرائع” وفتحها وأكد على مراعاة المآلات ضمن الوعي بالسياق، كما أن الشافعي غير مذهبه كليًا من الناحية التطبيقية بين العراق ومصر، وإن حافظ عليه على مستوى التصور والتنظير. ورأى “العبادي” أن علم أصول الفقه يعد أحد العلوم الرئيسة لفهم مغزى السياق، فالموازنات بين المصالح والمفاسد وبين المفاسد والمفاسد، كلها إشارات تدل على الوعي بالسياق.
واستطرد “العبادي”: قائلا أن علماء المسلمين وظفوا الآليات الاستنطاقية لفهم السياق الداخلي (النص القرآني المؤسس والسنة الموضحة له)، والسياق الخارجي (واقع الناس ومحاورة الكون بآليات علمية ومنهجية).
كما أكد “العبادي” على أنه من الضروري الإنصات للسياقات الداخلية والخارجية قبل التوقيع عن رب العالمين.
آليات فهم السياق
وأكد العبادي أنه على العالِم والمصلح أن يأخذ بعين الاعتبار عدة مفاتيح وآليات لفهم السياق من أجل تفادي الوقوع في الاضطراب و”الالتياث”، مستعيرًا اللفظ من عنوان كتاب “غياث الأمم والتياث الظلم”، ومنها:
– الوعي بالسياق النفسي للمخاطب: حيث يلقى الخطاب موائما لنفسية المخاطب (تجربة ابن العباس مع من يريد معرفة توبة القاتل)، وهذا الوعي يبقى ضروريًا خاصة لمعرفة احتياجات الطفولة وتنوع البنيات الأسرية والعلاقات والمعارف، التي تحكم بنية كل مجتمع.
– الوعي بالسياق العقلاني والمعرفي: وذلك باستحضار القدرة الإدراكية للمخاطب حتى لا يحصل “الاستوحاش”، كما يقول “العبادي”.
– الوعي بالسياق المادي الاجتماعي: وذلك بمعرفة العلاقات بين أفراد المجتمع، فعين المجتمع ليست مثل عين الفرد، كما أن الهموم والآمال تبقى متفاوتة بين المخاطبين. – وشدد “العبادي” على ضرورة الوعي بكيفية غرس النبي صلى الله عليه وسلم للوحي في نفوس الناس، مما يساعد على تنزيله في واقعنا بمقدار يراعي السياق، إذ هناك مستويان في فهم السياق:
– السياق الذي أعمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم النصوص.
– معرفة السياق الذاتي النفسي والاجتماعي وآليات المقاربة.
وبناء على ذلك، لا بد من قراءة المجتمع في بنائه وهيكله، لأن بنية المجتمع المصري أو التركي غير بنية المجتمع المغربي، واستحضار الجانب المنهجي، خاصة تدريس علم الاجتماع لاستيعاب السياق.
وأبرز “العبادي”: أن الدخول في حوار مع النص يعطي علوم التيسير (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، والحوار مع الكون في المختبرات يعطي علوم التسخير سخرناها لكم.
مستويات فهم السياق
وبعد العرض النظري والمتخصص لموضوع السياق وآلياته، انتقل المحاضر إلى الجانب العملي من موضوع المحاضرة، وإن فضل الإشارة والتلميح عن التعيين والتوضيح.
حيث قال “العبادي”: إن الإعداد للإصلاح وتعبئة الإرادات الاجتماعية من أجل الإصلاح يقتضي استحضار البعد المعرفي وتدبير الملفات الإصلاحية والعلم الدقيق بالثغرات والتغير السريع للتاريخ بالاستعمال الوظيفي للعلم، مشددا على مواكبة تطور العلم ونقله من الوضع “الحاجي” إلى مرتبة “الضروريات” خاصة في مجال التدين والكدح.
وجوابًا على تساؤل حول أزمة العالم الإسلامي: هل هي أزمة تطبيق (مقتضيات الشرع والقانون)، أم أزمة المنهج، قال العبادي: “همان”.. أي هما معا، استقاء من تعبير العالم المغربي “الرحالي” الفاروقي رحمه الله.
وطالب العبادي المصلحين بالدأب والبحث لفهم تضاريس الواقع بمنهج مضبوط يستحضر العلم ب”سلطة المراكز والأدوار والسلط” وأزرار التأثير، التي تختلف من مجتمع إلى آخر، فالجهل بهذا المستوى يصعب استبيان العقبات الموجودة أمام الإصلاح، واستوضح قائلا: إن الوعي بالقنوات التي تمر منها الفكرة ييسر تمريرها داخل المجتمع.
ويتجلي المستوى الثاني في الوعي ب”دينامية تشكيل القيادات” لإحداث اختراق للواقع المعاش، وهذا يتطلب معرفة بآليات صناعة القيادات، وتغيير نظرة الناس لها.
والمستوى الثالث هو معرفة “الوجدان الاجتماعي”، كيف يفرح وكيف يقرح، حيث أوضح “العبادي” أن الجهل بهذه الأمور الهامة يجعل بعض المصلحين يتكئ على مقولة: “لسنا مسئولين عن النتائج”. وفي تلميح تقريبي للواقع السياسي المغربي، قال “العبادي”: إن التشكيلات السياسية بالمغرب تفتقد لرصد هذه المستويات والأبعاد رغم وجود مؤسسات فكرية لديها، واكتفت بالارتباط بالمواسم الانتخابية، والشيء نفسه يقال عن مؤسسات رسمية وغير الرسمية التي تروم الإصلاح.
وخلال المناقشة، أشار جواد العراقي، رئيس جمعية “المسار”، أن محاضرة “العبادي” ذكرته بمطالبة المفكر الإسلامي “طارق رمضان” بجعل “السياق” أصلا خامسًا من أصول الفقه (القرآن، السنة، الإجماع، القياس) في كتابه “الإصلاح الجذري”.