الثابت والمتغير في الدين والحياة 2/1

د.مخلص السبتي

شعوب فقيرة رغم ما لها من موارد وثروات ، جاهلة رغم ما تحت يدها من علوم ومعارف، مفككة رغم أن الذي يجمعها أعظم مما يفرقها، هي اليوم تأكل مما يزرعه غيرها، وتلبس مما ينتج غيرها، وتحتمي بما يبيعه لها خصومها ..
شعوب تريد النصر، لكن لم تعرف على من، تريد التغيير من دون اتفاق على بديل.، تجيد الحديث عما لا تريده، ولم تعرف ماذا تريد، تضحي من أجل ثوابتها، ولم تحدد ماهية الثوابت ولا وسائل إثباتها، تخاصم الأوهام والأوثان، لكن من أجل أوهام وأوثان.
في بحثهم عن الثوابت الراسخة الحامية من الانجراف، كثيرا ما يلجأ الشباب إلى متغيرات يحسبونها ثوابت… وما هي عند التحقيق بذلك، بل كثيرا ما تكون مجرد حلول لمشاكل لم تعد قائمة، وإجابات عن أسئلة لم تعد مطروحة، وإجراءات تخص تحديات واقع قد ولى… يحمل كل ذلك على أنه دين وما هو بالدين، أو مقدس وما هو بالمقدس، وآثار ذلك على الثقافة والسياسة والاقتصاد… وخيمة، فذلك فضلا عن كونه من أهم كوابح التطور، هو أيضا من أكبر معيقات التوافق الاجتماعي، وأنى للناس أن يتوافقوا على شيء يرونه – حقا أو توهما – يمس ثوابتهم.
في هذا المقال سوف ندخل إلى الجزء الذي يتهيب الكثير دخوله، هو شديد الصعوبة لأنه يتناول أفهام الناس عن ثوابتهم، وكثيرا ما أحالت الأفهام على أوهام، والناس في ذلك معذورون، فكثيرا ما التبست الأوهام بالحقائق فاستعارت زيها وتغطت بردائها، ولبست على الناس، فإذا هم في خوض يلعبون ويحسبون أنهم مهتدون.

تضخم المقدس :
كثيرا ما عانى أتباع الديانات التوحيدية من داء “تضخم المقدس” مما أدى إلى شرور مستطيرة وكوارث خطيرة، وإذا كان الغرب المسيحي قد حسم أمره عبر مقايضات تنازلت بموجبها الكنيسة للدولة عن السلطان على الأبدان، فيما تنازلت الدولة للكنيسة عن السلطان على الارواح، وإذا كان أتباع الديانة اليهودية قد حسموا أمرهم أيضا بالانتصار لدولة ثيوقراطية كانت موضوعا لتحالف جمع المتدينين باللادينيين على قاسم مشترك هو الأرض-الوطن(1)، فإن العالم الإسلامي لم يحسم أمره بعد، سواء باقتباس نموذج أو بابتداع آخر، والأسباب في ذلك كثيرة أحدها: ضعف التكوين العلمي العام مع ما يستتبع ذلك من فساد البيئة التي يعيش المثقف فيها ويتفاعل العالم معها، وثانيها: ضعف الأبحاث العلمية المقارنة المتعلقة بالمجال الديني، وثالثها: تقديم أغلب العلوم والمعارف في العالمين العربي والإسلامي بمعزل عن بعضها(2)، ورابعها : فصل العلوم الشرعية عن سياقاتها التاريخية، وخامس الأثافي استمرار التعامل مع “العلوم الشرعية” بصفتها وسيلة تبرير وشرعنة الخيارات الفكرية والمواقف السياسية من لدن الحكام ومعارضيهم على السواء.
كل ذلك – ومعه غيره – لم يتح لأغلب العلماء والمثقفين والدعاة بله العامة إمكانية فهم النص الديني ضمن سياقه الذي نشأ فيه، وتمييز ما هو ثابت مؤبد فيه عما هو متغير ونسبي، وبالتالي حسم الموقف الحضاري باعتماد آلية توافقية تحمل الإنسان مسؤولية التغيير والتطوير دونما تهميش للمقدس أو تضخيم له.
وعدم الحسم هذا كان ولا يزال سببا في تزايد مظاهر التفكك مع مختلف الصراعات المذهبية والفئوية الملازمة له، وقد تشتد تلك الصراعات في بعض الفترات وقد تخف، لكن أسبابها موجودة في بنية الاجتماع العربي والإسلامي كما تمت إعادة تشكيلها بعد “التحرر” من الاستعمار، وهي موجودة أيضا في نمط “التفكير الإسلامي” كما هو متمثل عند الجماهير الواسعة من المسلمين شمالا وجنوبا، وفي غياب التوافق على أهداف مدنية كبرى أو مقاصد دينية عليا، ضاع الناس في متاهات جزئيات تستنفذ الجهود وتشتت الطاقات، فلم تنته الأجيال المتعاقبة من جدالات القبض والسدل والغناء والتصوير والنحت وأشكال اللباس والمأكل والمشرب وتعدد الزوجـات والعقوبات والحدود وأحكام الجهـــاد والولاء والبــــراء… إلا “لتستلم المشعل” أجيال أخرى تعيد اجترار نفس القضايا بوسائل جديدة وربما أضافت إليها غيرها -بحكم تجدد النوازل- فيختلف الناس في التعامل مع المؤسسات البنكية والعقود التأمينية والتعددية السياسية ومقولات الديمقراطية والعلمانية… تحليلا وتحريما يتلهون بذلك عن إنشاء الجديد من الأفكار، وابتكار الجيد من الحلول للقضايا المعاصرة التي تواجههم وتلح عليهم إلحاحا ، وأنى لهم ذلك إذا غابت “المقاصد العليا” في برامج تكوينهم وفي ثقافتهم العامة، وليت الأمر مقتصرا على “جماعات المتدينين” تقليديين وحركيين ومتطرفين ومعتدلين…إذن لهان الخطب، بل الداء مستشر أيضا لدى كثير ممن يوصفون بالحداثة والعلمانية والتنوير… فقد نصب أغلبهم نفسه حاكما على أفكار الناس وتوجهاتهم ومعتقداتهم، فهو يمارس نفس عمليات التحليل والتحريم بل والتبديع والتكفير… لكن من خلال قاموس مغاير للقاموس الديني، فإذا هو منشغل في ذلك كل الانشغال ، معتبرا أن المطلوب منه – كل المطلوب – هو إصدار أحكام يزن بها “حداثة” الناس و”علمانيتهم”، أعماه ذلك عن النظر إلى ما يتطلبه الواقع من إبداع جديد أو ابتكار حديث، وكان ذلك مما جعلنا نعيش “ قروننا الوسطى“ الخاصة بنا بامتياز.

هوامش:
1- مادام قد تم توظيف المقدس في اتجاه السيطرة على الأرض فلم يجد علمانيو “إسرائيل“ ولا حتى الملحدين منهم حرجا في بناء دولتهم على أساس ديني ثيوقراطي، والحديث هنا عن أغلب الفاعلين اليهود، وإلا فإن هناك فئات رافضة لدولة إسرائيل من أساسها، إما من خلال مرجعيات دينية مثل اليهود الأرثدوكس، وإما من خلال مرجعيات حداثية – حقوقية، أبرز من يمثلها المفكر وعالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي.
2- إهمال بناء الجسور بين التخصصات المعرفية أقام حواجز بين – المثقفين – وجعلهم يعيشون في جزر معرفية متعالية عن بعضها محرومة من إمكانات الاستفادة من مناهج بعضها، ساهم ذلك في ظهور مصيبتين اثنتين: تراجع الإبداع وتعميق الشروخ الاجتماعية.