الثابت والمتغير في الدين والحياة 2/2

د.مخلص السبتي

وإذا كانت مقتضيات الماضي قد فرضت أحيانا على من كان قبلنا توسيع دائرة المقدس لضرورات تدبيرية في الفقه والسياسة والاجتماع (عبر آليات الشافعي في تثبيت أخبار الآحاد وفي القول بالقياس والإجماع…)، فإن الأمر لم يعد على حاله بتغير السياقات وتطور الإجراءات التشريعية والتنفيذية على المستوى العالمي، فضلا عن تطور وسائل الكشف عن الإرادة العامة وتحمل مسؤولية احترامها ثقافيا وتفعيلها تشريعيا وتنفيذيا، مما يجعل استمرار الإتكاء على “المقدس” في التدبير السياسي والاجتماعي هروبا من تحمل مسؤولية التفكير والتدبير وتحميلها من هم أكثر علما وفهما من “سلف الأمة” (1).
والواقع أن توسيع دائرة المقدس بحثا عن وسيلة يتم بها تنظيم وتدبير وضبط الحركة الاجتماعية كثيرا ما قوبل بردود أفعال مضادة استخدمت فيها القداسة أيضا فيما هو غير مقدس من مصالح اجتماعية وفئوية، ولا يخرج نشوء الفرق وتوالي انقساماتها عن هذه العقلية الباحثة عن الإلزام الاجتماعي وتوظيف المقدس في ذلك، فلم يكن الأمر أبدا من دون مخاطر على الدين والحياة. واليوم، وبعد عهود تراكمت فيها الأخطاء والفظاعات، وأخرى تعاظمت فيها إمكانات استغلال ضبابية الرؤية وتوظيفها خارجيا لفرض السيطرة وتقوية أسباب الاحتراب والاقتتال الداخلي، يظل السؤال مطروحا بحدة وبإلحاح: ما الحل؟ • هل مشايعة المطالبين بإلغاء المقدس مادامت الحياة في تطور مستمر وما دام شرط تطور المعارف يمر عبر الاعتراف بنسبيتها ووجوب إخضاعها للتغير والتطور؟ • أم هل الرجوع إلى المنابع الأولى ففيها مقومات بعث جديد، إذ “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بمثل ما صلح به أولها”؟. سوف يتضح بعد التحليل أن كلا الخيارين في السوء سواء، فلا إلغاء المقدس يحل المشكلة، فما هو إلا تلاعب بالألفاظ يتم فيه استبدال عبارات بأخرى، أو هو استبدال مقدس ديني بآخر لاديني يتم فيه تقديس متغيرات أخرى غير التي قدسها الآخرون، لا حل هنا إذن. ولا حل أيضا في مجرد الرجوع إلى المنابع الأولى، فالنصوص الأولى لم تنزل في فراغ بل لقد نزلت في واقع اجتماعي مخصوص ذي مطالب مخصوصة وحاجات مخصوصة وإكراهات مخصوصة، ولذلك فهي قد تلونت بلون سياقها الاجتماعي وحاجياته ووسائل عمله، ولم تكن – بعد ذلك – أبدا لتغني أحدا من “أئمة السلف” عن بذل الجهد الفكري والعملي في التنزيل والتطبيق والتطوير بما كان يراه يحافظ على المقاصد العليا والثوابت المطلقة. فإذا تبين هذا، فهمنا كيف أن النصوص المتعلقة بأحكام جزئية تفصيلية إنما أجابت عن أسئلة واقعها بأدوات يملكها الفاعلون في هذا الواقع، فإذا تغيرت الأسئلة والأدوات، أحدهما أو كلاهما، أضحت الأحكام قاصرة بذاتها كاملة بغيرها، أو قل: ظنية بذاتها قطعية بغيرها، وهذا الغير هو بالذات هو المقاصد العليا والأحكام الكلية المستمدة من مجموع النصوص، فالأحكام الجزئية إنما هي وسائل عمل “المقاصد العليا” في فترة محددة، وليست غايات بذاتها، وهذا من الأسباب التي استدعت نزول القرآن على مراحل، ووجود النسخ في الأحكام، والنهي عن كتابة الحديث.. (2).
وهكذا تكون عبارة “لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” صحيحة تماما إذا كان المقصود منها التأكيد على أهمية الأحكام الكلية المرشدة إلى الثوابت العامة ، لكنها تعتبر عبارة مضللة إذا بقيت على عمومها تضم كل شاردة وواردة، إذ أن لآخر الأمة مطالب وسياقات غير تلك التي كانت لأولها، وكثير مما يصلح لآخر هذه الأمة لم يخطر على بال أحد في أولها، وأي تجاهل للمطالب والسياقات وللوسائل التدبيرية والتشريعية المتجددة هو سير بالناس نحو المجهول الذي لا تؤمن بوائقه .
لا غنى لنا إذن عن المقدس الديني، ولا غنى لنا عن ضبط حدوده ومعالمه لكي لا يلحقه التزوير والتدليس بقصد أو بغير قصد، بحسن نية أو بسوءها(3)، كما أنه لا مندوحة لنا من أن نضبط ثوابت الحياة وقيمها المطلقة، إن لم يكن بهدف بناء رؤية مشتركة وطنية أو دولية تحفز الوعي وتوحد الإرادات، فبهدف فرض الأمن والسلم الاجتماعيين، لكن السؤال من يملك حق هذا الإرجاع؟ ومن له أن يميز المقدس الثابت الأبدي عن غيره الإنساني النسبي المؤقت؟ وبأي وسيلة؟ ووفق أي إجراء؟

هل جاء الدين من أجل الحياة ؟ أم إن الحياة هي من أجل الدين؟:
افترض عابد الجابري أن الدين من أجل الحياة، بل وأن الآخرة من أجل الدنيا إعمارا وإسعادا وتنويرا، وافترض غيره أن الحياة هي من أجل الدين وأن الدنيا من أجل الآخرة أمنا وسلاما وتنعما، لكنني لا أرى المسألة من زاوية “الثالث المرفوع” إما وإما، بل من زاوية “الدائرة المغلقة”، فإذا كانت الدنيا مزرعة الآخرة، فإن الآخرة بوصلة الدنيا، وإذا كان الدين من أجل الحياة، “وهو كذلك” فإن الحياة أيضا من أجل الدين” وهي كذلك”، فبأيهما بدأت قادك إلى الآخر، نتيجة هذا التحليل إذن، أنه على الرغم من اختلاف طبيعة كل من الدين والدنيا، ومنهج النظر في كل مهما ما بين منهج غيبي مجرد ومنهج تجريبي مجسد، فإن ما يصلحهما من نظم وتشريعات، وقرارات وتصرفات… يصلحهما معا بالتبعية، وما يفسدهما يفسدهما معا.
هل آيات الأحكام تشريع ثابت دائم للمستقبل؟ أم هي تشريع مؤقت لواقع معين في بيئة معينة؟:
هناك من يفترض أن وظيفة الدين هي التشريع الدائم، فصلاحيته لكل زمان ومكان تمكن معتنقيه من الإجابة عن كل سؤال، ينبغي فقط أن يسترجعوا ثقتهم بالدين ويرجعوا إلى نصوصه المقدسة، وهناك من يفترض العكس، فقد مضى زمن الدين عنده وانقطعت مبرراته، أما هذه الدراسة فتفترض أن وظيفة الدين تشمل التشريع الدائم والمؤقت معا في انسجام وتناغم، تشريع دائم متعلق بالمقاصد العليا(4) مع العبادات وأصول المحرمات، وتشريع مؤقت كانت فيه الأحكام متماشية مع مقاصدها أول الأمر، ثم انفصلت الكثير من الأحكام عن مقاصدها بتوالي العهود، فأثبتت المقاصد، وأسقطت الأحكام، وكان لا بد من إسقاط هذه لإثبات تلك، غير أن هذا الاثبات والإسقاط لم يكونا ينطلقان دوما من وعي ظاهر بتاريخية الأحكام وبسنة التطور، ولا بإمكانية انفصال الحكم المنصوص عليه – بتوالي الأزمان – عن مقصده، فتوالت التأويلات والتمحلات والحيل الممكنة من الخروج عن الحكم المنصوص، والمبررة له، فكـان أن تم توسـيع دائرة القول بالنسخ تارة، وتوسيع مساحة الضرورات “المبيحة للمحظورات” تارة أخرى، وإدخال قواعد جديدة من قبل القول بالعرف أو ما جرى به العمل تارة ثالثة… غير أن كل ذلك لم يكن بمجد ولا نافع، وذلك من وجهين.
الأول:
أن كل تلك المحاولات لم تؤد إلى بلورة تشريعات تف بحاجيات المجتمع الإسلامي على المستويات الدستورية والمدنية والجنائية، فلم يجد رجال الدولة – وأغلبهم لم يحظ بتكوين عال متعدد التخصصات – بدا من استيراد تشريعات شبه جاهزة ينزلونها على مجتمع أضعف من أن يطور تشريعاته الخاصة، وأفقر من أن يستغني عن التشريعات المستوردة، إذ وهو في حاجة لها كاره لها، فهو يراها غير نابعة من ثقافته وغير معبر عنها من خلال ما ألف في مجاله التداولي، بل نابعة من ثقافة أخرى غازية ومعادية(5).
الثاني :
ساهمت تأويلات الخروج عن “الأحكام الوقتية المنصوص عليها” في إغلاق أبواب الاجتهاد من حيث ظنت أنها قد فتحتها، والواقع أنه يستحيل فتح أي باب من أبواب الاجتهاد دون الاعتراف بسنة التطور وتاريخية الأحكام، فالأحكام تفقد صلاحيتها بالتقادم أي بتغير حاجيات المجتمع وتبدل قضاياه، نعم، تظل الأحكام الكلية محتفظة بقطعيتها(6)، ومن أجلها – وعلى هديها – لزم تغيير الأحكام الجزئية التفصيلية باستمرار. كما يمكن الحديث عن الثبات في الدين والحياة، يجب الحديث أيضا عن التطور فيهما، وكل ما سوى العقائد والأحكام الكلية الكبرى والقيم الإنسانية العليا مجرد استجابات وقتية لتحديات قائمة ما تلبث أن تتغير وتتبدل، وكل تردد في التغيير والتبديل هو إساءة للأحكام الكلية المطلقة التي لك أن تسميعا شريعة، ولك أيضا أن تدعوها قيما إنسانية… ولك أن تطلق عليها ما شئت من التسميات، فالتسميات لا تغير واقعا، إنما الذي يغير هو المعرفة والفاعلية وروح المبادرة، أو قل هو الإيمان والعمل الصالح.
هوامش:
1- لا يتم التعامل غالبا مع النصوص القرآنية ولا الحديثية إلا عبر وسائط من سلف الأمة، وبتعدد انتماءات السلف تتعدد انتماءات الخلف الذين يجدون أنفسهم داخل معارك ينبغي أن يخوضوها دفاعا عن “الحق” الذي أرشد إليه السلف، ولكل سلفه، ولكل معاركه.
2- يتأمل حديث أبي سعيد الخدري: “استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا” أخرجه الترميذي في سننه حديث رقم: 2665 باب كراهية كتابة العلم، وأيضا حديث: “لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه” رواه مسلم – الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم/5326 وروى النووي في شرحه لصحيح مسلم أنه: “كان بين السلف من الصحابة اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم اجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف”.
3- نجد مبكرا في العهد المكي التنصيص على ضرورة عدم الخلط “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب” سورة النحل آية: 116.
4- وهي عندنا عشرة تغني المقاصد الخمس المعروفة: التفكير، والتوحيد، والتفعيل، والتحرير والتنوير والتكريم، والتيسير، والتنظيم، والتخليق والتطوير.
5- وذلك ما جعل دعوات الرفض ل”القوانين الوضعية” تتجدد باستمرار من دون طرح بديل تشريعي إلا اعتبار الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، لكن ما لم يتم الانتباه إليه أن “السلف” بدورهم لم يعتبروا الشريعة قد أعفتهم من مسؤولية الاجتهاد في التشريع لمجتمعاتهم، فالشريعة غير فاعلة بنفسها، بل من خلال من يحملها.
6- مع بعض الأحكام الجزئية الثابتة بثبات حاجة المجتمع إليها مثل تحريم المحرمات وأصول العبادات.