الدكتور مخلص السبتي

انتهينا في الجزء الأول من هذا المقال إلى أن أغلب التيارات الفكرية في العالمين العربي والإسلامي رغم تقاطع اهتماماتها، وتقارب كثير من أطروحاتها لا زالت تعاني حالة القطيعة والإقصاء المتبادل(1)، فإن حدث حوار فهو من أجل الإقناع والاستقطاب والاستتباع لا من أجل التثاقف والاستفادة المتبادلة.
وهنا نواصل حديثنا عن ” الطبيعة السجالية ” للثقافة العربية الحالية باحثين عن أسبابها الأساسية عارضين تصورا للحل يظل مفتوحا قابلا للتطوير والإغناء.
بحث عن أسباب القطيعة:
1- أسباب سياسية: (طبيعة المسار الحزبي)
يتعين الإقرار بأن الكيفية التي تطور وفقها الفكر الحزبي في العالم الإسلامي، والبلاد التي خضعت لحكم الاستعمار عموما، ساهمت في تطور هذا النمط من الصراع، إذ من المعلوم أن النظام الحزبي عندنا مأخوذ في مجمله من النظم الغربية، حيث تسعى الأحزاب إلى التأثير في أصوات الناخبين من أجل الوصول إلى السلطة، غير أن الأحزاب التي ظهرت هناك منذ منتصف القرن الثامن عشر، وإن كانت تنظيمات تتحرك على الصعيد الوطني من أجل الحصول على دعم شعبي في اتجاه الوصول إلى السلطة وتطبيق سياساتها، إلا أنها إنما تترجم رغبات جزء من الشعب،لا كل الشعب ، وتقدم نفسها للناس على هذا الأساس.
ولفظ الحزب في الإنجليزية والفرنسية يأتي من لفظ الجزء أو القسم، وهو يشير إلى أن قسما من المواطنين ينتظمون في هيئة معينة تحمل مبادئ اجتماعية واقتصادية معينة تنسق جهود الأعضاء للوصول إلى الحكم وتحقيق ما يتلقون عليه من أهداف سياسية أو أغراض اجتماعية.(2)
أما النظام الحزبي الذي عرفته البلاد الإسلامية فهو لم يكن من نوع ما عرف في الغرب من جهة نوع التمثيل؛ لأنه إنما قام متعلقا بمقاومة الاحتلال الأجنبي وباستقلال الوطن، فالحزب يمثل مجموع الأمة لا بعضها، وهكذا نشأ الحزب في الغرب مشخصا لجزء من الأمة، بينما نشأ عندنا مشخصا لمجموع الأمة، مترجما لإرادتها في النضال والتحرر، وبهذا نفهم نشأة حزب الوفد المصري، وحزب الاستقلال المغربي، والحزب الدستوري التونسي، وكذلك حزبي المؤتمر والرابطة الإسلامية في الهند،(3) إن الحزب هنا لا يستهدف تداول السلطة لأنه هو السلطة، وهو المعبر عن إرادة مجموع الأمة لا عن إرادة جزء منها فقط، وبمرور الزمن نشأت تيارات وأحزاب جديدة لها نفس الأهداف التحررية، ونفس التمثيلية، مما فتح الباب أمام صدامات كثيرا ما كانت دامية.
والنتيجة أن الجهد الحزبي عندنا في الأقطار الإسلامية يتوزع على واجهتين اثنتين؛ واجهة مشخصة لآمال الأمة في مجموعها، تناضل باسم جميع الفئات الاجتماعية قصد التحرر أو استكمال التحرر وتحقيق النهضة، وواجهة أخرى مشخصة لجزء من الأمة فقط، فهي داعية لتصورات هذا الجزء وخياراته، ومدافعة عن أولوياته.
وكثيرا ما تم تجاهل هذا التمايز بين تمثيل الجزء وتمثيل الكل، فأدى ذلك إلى فرض قناعات الجزء على الكل، وأدخل المجتمع في غمار صراعات مستمرة .
ومتى تم الوعي بحقيقة تمايز هذين المجالين أمكن الاعتراف بالتعددية وبنسبية التمثيل وبحق التيارات السياسية المخالفة في الوجود اعتبارا من أنها تترجم خيارات جزء من المجتمع وليس بالضرورة خيارات كل المجتمع.

2- أسباب اجتماعية:(طبيعة المسار القبلي)
بالنسبة لبعض الباحثين، فإن تعرض المدينة العربية لسيل الموجات البدوية المتتابع، قد ترك في تكوين المجتمع العربي وبنيته من الآثار والترسبات ما يعزز فكر الصدام والقطيعة بين الفئات الاجتماعية.
فبالنظر إلى كون القبيلة هي الوحدة الاجتماعية الأساس في المحيط البدوي، فإنها بانتقالها إلى صلب مجتمع المدينة تجلب معها نزاعاتها وعصبياتها وتسقطها على العمل المهني والحزبي وكل أنواع العمل الحضري،(4) وبمرور السنوات يشكل ذلك خلفيات ومرجعيات العقل العربي، فيؤثر فيه ويوجهه وجهة سجالية طائفية، إذ القبيلة بعكس الإقطاعية الزراعية في المجتمع الأوربي أو الياباني، تميل بطبيعتها إلى المزيد من التشرذم حيث تتحول القبيلة إلى عشائر، والعشائر إلى بطون وأفخاد متنافسة، بينما تنضم الإقطاعية الزراعية إلى إقطاعية أخرى لتكون نواة الدولة الموحدة كما حدث في أوربا أو اليابان(5) والنتيجة أن عمق وجود النزعة القبلية وتجدرها في نسيج العلاقات الاجتماعية في المناطق العربية والإفريقية ومناطق آسيا الوسطى، قد أصبحت له انعكاسات على معظم مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية، وأصبح الحزب، وكذلك الإيديولوجية والمذهب… إطارا جديدا تجدد فيه القبلية نشاطها، وتنفخ فيه روحها.

3- أسباب تواصلية (شكل التطور اللغوي)
كما أن للتطور الحزبي ولطبيعة المسار القبلي أثره في توجيه الصراع، فإن للجانب اللغوي أيضا مفعوله الذي لا يقل أهمية، ذلك أن الخلل في التواصل وفي تحديد المفاهيم يساعد على خلق المشاكل المزيفة، فعدم الاتفاق على قاموس موحد ومرجعية لغوية معرفية للخطاب ومرتكزاته يحول الحوار إلى حوار للصم البكم يكون المستمع فيه منجذبا إلى ما يسمعه في داخله، وليس إلى ما يقوله خصمه، ويكون فيه المتكلم يناجي نفسه حينما يتكلم، ومصدر الزيف في كل هذا أن المتكلمين في الإشكال الواحد لا ينهلون من قاموس واحد، ولا يفهمون من الألفاظ نفس المعنى(6) والسبب في ذلك يرجع إلى ازدواجية النظم التعليمية من جهة (7)، وإلى ما يستتبع هذه الازدواجية من عجز عن تحقيق بناء معرفي ثقافي موحد ومنسجم يمكن المجتمع من رصد الوجهة و تحديد أرضية الانطلاق(8) لذلك كثيرا ما رأينا المتحاورين في شأن تحكيم الشريعة مثلا،أو ثباتها، أو قابليتها للتطور تتناقض مواقفهم وتتضارب اتجاهاتهم، لا بسبب طبيعة الشريعة في ذاتها، بل بما يعتري هذا المصطلح من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد، بحسب مفهوم كل طرف وبحسب قاموسه ومرجعياته المعرفية.
فالبعض يحصر الشريعة في القطعيات التي لا تتبدل ولا تتغير كتحريم الخمر والزنا ووجوب العدالة والأمر بالمعروف… فهي بهذا لا تتطور “لأنها تخص الجانب الثابت من الحياة الذي لا يتبدل بتبدل الزمان ولا المكان”.
والبعض الآخر يجعلها شاملة لمذاهب الفقهاء وآرائهم في حل إشكالات عصورهم وفق ما تتطلبه بيئاتهم المختلفة، فهي عند هؤلاء متطورة تطور الحياة متبدلة بتبدلها، ولكل من المفهومين أثر معين في توجيه الحوار، وبهذا فقد يتحدث الجميع عن الشريعة وإمكانية تطبيقها في الواقع من دون أن يتناولوا أبدا نفس المفهوم.
ويستطيع الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بيسر أن يحرر لوائح طويلة من هذا القبيل، ويضم إليها مصطلحات من مثل: التراث، والسلفية، والعلمانية والأصولية، والديمقراطية، والتصوف، والقانون الوضعي، والدولة الإسلامية، والحكم الديني،… إلخ.(9)

4- أسباب خارجية (دعم فكر التفتيت)
لا تعيش البلدان العربية بمعزل عن بعضها، ولا بمعزل عن المتغيرات السياسية والثقافية والفكرية في العالم، فسيول لا تتوقف من المعلومات والمفاهيم والمذاهب والإديلوجيات والصور.. تلج المجتمعات العربية من مداخل شتى، فيها كثير مما هو باد نفعه، وكثير مما هو باد ضرره، وبين هذا الصنف وذاك، توجد أصناف لا حصر لها تتدرج في القرب من أحد الطرفين والبعد من الآخر، وليس يصلح اليوم سد الأبواب وإقفالها، وليس هذا بممكن حتى لو صح.
إن كثيرا من الأفكار والمعتقدات والتوجهات الإنسانية الرفيعة لما كان يخلص لها أصحابها فإنهم يسعون إلى نشرها عالميا بقلب خالص وضمير نقي ـ أو شبه نقي ـ ابتغاء الرقي بالإنسانية وتحسين أحوالها، لكن في المقابل هناك من الأفكار والإيديولوجيات ما هدفه اختلاق نزاعات وصنع أزمات بغرض الضغط بها على الشعوب وزعاماتها السياسية والفكرية، ومن أساليب الضغط توظيف المعطيات الفكرية والاجتماعية والمذهبية والسياسية داخل الأقطار العربية لخدمة مصالح خارجية استراتيجيه أو ظرفية، وكثيرا ما يرى هؤلاء المتدخلون الخارجيون (وهم كثر) أن مصالحهم تقتضي دعم مظاهر التفكيك واستدامة عوامل التمزيق وإثارة النزعات العرقية والثقافية والمذهبية وضرب المشترك الاجتماعي والوطني والإقليمي تحت مسميات “الثقافة الشعبية ” و”حرية الإبداع” و”التعددية”… وكثيرا ما يلقى هذا “الدعــم” صداه داخــــل المجتمعات الفقيرة ماديا ومعنويا فتتشكل مجموعات “إعلامية” و”حقوقية ” و” ثقافية ” هدف تشكلها ـ و المعبر عنه أحيانا بوضوح ـ هو مد اليد للخارج، وتستخدم المجموعات المشكلة في ضرب المقومات المشتركة فيما بين الأقطار العربية وداخل كل قطر عربي على حدة عبر محاور ثلاث متكاملة :
المحور اللغوي : التبشير بالعاميات واللهجات المحلية بصفتها البديل الموضوعي للغة المشتركة المحققة للانسجام الاجتماعي والإقليمي.
المحور العرقي: إثارة الكراهية والأحقاد بين المجموعات العرقية المكونة للنسيج الاجتماعي واستدعاء الأحداث التاريخية لتوظيفها في نزاعات مصطنعة بين الهويات “الغازية” والهويات “المغزوة” أو الهويات” المسيطرة” والهويات” المسيطر عليها” أو الأقليات والأكثريات…. وهلم تمزيقا وتشتيتا وإثارة للضغائن.
المحور الديني الطائفي: استثارة المشاعر الدينية وجر المجتمعات إلى صراعات جانبية تلهيها عن مواجهة مشاكلها الحقيقية وفي هذا الاتجاه تبرز عدة قضايا مصطنعة من مثل (إعلان الإفطار في رمضان ،الإباحية الجنسية، المثلية الجنسية، الصراع السني الشيعي، والنزاع السلفي الصوفي، والتنافس المشرقي المغربي….) وتوجيه كل ذلك لإثارة صراعات تزيد من تفكيك المجتمعات وتفتيتها. بهذه الطريقة يتم استخدام الجزء لضرب الكل، والضارب خارج الوطن والأداة داخله، تفكك وتعيد التفكيك تبعا لرغبات الاستعباد والاستبعاد في الخارج .
ولا يكون بحثنا عن أسباب القطيعة موفيا حتى نضم إلى ما ذكرنا سببا آخر لعله الأكبر تأثيرا في إحداثـها (أي إحداث القطيعة) وهو السبب الأخلاقي، وهو لخطورته يتفلت عن كل تصنيف ويتمدد إلى غيره من الأسباب تمددا غير منتظر، فيضيع البوصلة ويشتت الجهود، ذلك أن من سمات الحياة الاجتماعية السليمة وجود الخلاف والاعتراف به وتدبيره، سواء كان الخلاف في الدين أو المذهب أو الرأي، أو حتى بين المصالح المتباينة، المشكلة حينما تتراجع القيم المشتركة فتهمش وتحاصر، هنا بالذات يتمدد وباء التعصب والإقصاء إلى سائر النشاط الاجتماعي فيصيبه بالوهن والفتور ويغير من طبيعته ومساره، فإذا الحوار جدال يثير الضغائن، وإذا الإخلاص للدين أو للمذهب رفض وانغلاق، يؤدي ذلك إلى الهروب من ساحات العمل الجاد والاستعاضة عنها بالعنف والعنف المضاد، والحقد والحقد المضاد، فتحدث القطيعة التي لا بد من حدوثها.

بحث عن مخرج
ليس المطلوب إذن إلغاء الخلاف والتناقض ولا إخفاؤهما والتعتيم عليهما، فذلك فضلا عن أنه غير ممكن وغير عملي، فإنه أيضا سعي إلى إفقار الثقافة وحذف التحديات اللازمة لتطورها وتجددها من حيث قد يظن أن في ذلك توحيدا لها وتقويـة لأركانها.(01)
إن المطلوب بالذات هو الاعتراف بحق الاختلاف والتسليم بوجود التناقض والحفاظ عليه في إطار من التعددية يضمن لجميع الأطراف حق التعبير عن آراءها والإبداع من خلال تلك الآراء، فالتناقض بما يحدثه من تحديات تطرح نفسها بحدة على الواقع السياسي والاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية هو شرط الإبداع والابتكار.
والحاصل أن فرض سياسة أو توجه أو فكر بقوة الترغيب أو الترهيب بقدر ما هو مفقر للثقافة وللفكر عموما، هو إيذان بانخراط المجتمع في صراعات ذاتية عقيمة قد تؤول إلى حروب أهلية لا مبرر لها.
ومتى تم الاعتراف بالتناقض بصفته تعبيرا عن الاختلاف داخل وحدة أكبر، وعن أجزاء داخل كلية فكرية أو حزبية، أو وطنية… كان الطريق ممهدا للاستفادة المتبادلة دون خوف من اتهامات بالإنسياق وراء “دعاوى الخصوم” أو “تعزيز صفوف المعسكر المعادي” أو غير ذلك من الاتهامات السجالية التي لا تستهدف الحقيقة في ذاتها أو حل الإشكال المطروح واقعيا بقدر ما تستهدف الانتصار للمذهب أو للحزب أو للقبيلة أو للعرق أو حتى لشخص الزعيم.
ينبغي إذن التحرر من وهم الاعتقاد بأن انتشار إيديولوجية معينة وسيطرتها على الإيديولوجيات والمذاهب الأخرى بالاحتواء أو العنف والإقصاء من شأنه أن يحقق “الوحدة الثقافية” أو “الذات الحضارية” أو “التقدم” أو غير ذلك من الشعارات التي قد تترجم أحيانا إلى قرارات “محاربة الرجعية” و”استئصال التطرف” أو “القضاء على اتجاهات التغريب والبدع”.
فتنميط المجتمع يتطلب تسطيحه وقتل مبادرات أفراده وأفكارهم وأخطائهم التي منها يتعلمون. إن المسألة ليست في أن تكون شاعرا بأنك على الحق وأن الآخرين على الباطل، وأن السبيل الذي أنت به مقتنع هو السبيل الأقوم الأسلم لجميع الناس أو بعضهم ، المسألة هي كيف ستتمكن من المساهمة من جانبك في حل المشكلات؟… فيقينك بأنك على الحق وأن الآخرين على الباطل ، إنما هو نصف الطريق ونصفه الآخر حرية الناس في الحفاظ على خياراتهم الخاصة والدفاع عنها والدعوة إليها ما لم يعملوا على مصادرة حق أحد أو تضييق حريته أو الإساءة إلى أفكاره وقناعاته، لا يمكن لأحد أن يسهم في حل مشكلات واقعه ما لم يقتنع تماما بأن المخالف في الرأي والمذهب والمعتقد له الحق في أن يعيش على مخالفته، وأن تغييره لا يكون إلا بإرادة داخلية ، وهكذا ينبغي أن يرتقي الإنسان إلى درجة أعلى حتى يحقق معاني ﴿لا إكراه في الدين﴾ (11) .؟
على أنه ينبغي التأكيد أن اللاإكراه والتعددية لا يعنيان التقاعس عن مواجهة الباطل ودعاوى الفساد والانحراف والجمود، بل هما ما يضمن تلك المواجهة بما يثيران من استفزاز للوعي وإثارة لردود الفعل في مواجهات علمية وفكرية سلمية تعمم المعرفة وترفع وعي الناس وتوجه انتباههم، حتى إذا استشعر دعاة “الباطل” شذوذهم عن المسار العام للمجتمع عملوا على تعديل آرائهم ومواقفهم بما لا يتنافر مع مطالب مجتمعهم، وكان ذلك هو المطلوب، وهو خيارهم الأول.
وخيارهم الثاني أن يستمروا في المحافظة على آرائهم ـ رغم شذوذها في رأي الأغلبية ـ ويناضلوا من أجلها سلميا، وهو خيار آخر مطلوب، وقد يميل البعض منهم ـ أو جميعهم ـ إلى خيار ثالث يتضمن فرض الرأي بالإقصاء أو الاحتواء، أو الإستقواء بالخارج… أو في مرحلة متأخرة بالقوة والعنف، آنئذ يجب أن تتكتل جهود دعاة التعددية واللاإكراه مهما تباينت تياراتهم الفكرية والسياسية والدينية في مواجهة دعاة الباطل، لا بصفتهم يعتقدون أو يدعون إلى ما يراه الآخرون في معتقدهم باطلا، بل بصفتهم الإكراهية حيث ممارستهم لأساليب القوة والإقصاء والعنف، أو بصفتهم القانونية حيث خروجهم عن مقتضيات النظم القانونية والدستورية.
فحرية التعبير لا تعني أبدا ولا ينبغي أن تعني انتهاك القانون أو الإساءة إلى مشاعر الناس وعقائدهم، نعم من مقتضيات الحرية أن يطالب الأحرار بضرورة تغيير ما لا يرون صلاحيته من بنود القانون، ويكافحون في سبيل ذلك، لكنهم ـ وحتى يتم التغيير الذي ينشدونه ـ عليهم الانضباط بالقانون السائد، فلا يبيعون ولا يشترون، ولا يزوجون ولا يتزوجون، ولا يرثون ولا يورثون إلا على هدي ما استقر من قوانين.
إن مبادئ التعددية واللاإكراه هي قبل كل شيء تربية يجب أن يربى النشء عليها وتصاغ على أساسها البرامج التربوية والإعلامية والسياسية..
كان ذلك هو الشرط الأول لإطلاق الإبداع وتحريره، والشرط الثاني يكمن في نشر الوعي بأن كل صراع سلمي بين فكرة ونقيضها يؤدي تحت ضغط الواقع اليومي إلى ظهور فكرة جامعة لمزايا النقيضين([12]) وهذه الفكرة تخوض بدورها غمار صراع آخر يؤدي إلى ظهور فكرة أخرى تقدم نفسها بصفتها خادمة للواقع الجديد.
وليس “الجمع بين الفكرتين” مجرد توفيق ظرفي تمليه مصالح بعض الأطراف أو كلها، بل هو سعي الأنساق الفكرية إلى تأصيل نفسها داخل المسار التاريخي للمجتمع([13]) في سياق صراع موضوعي استيعابي، يؤجل النظر في قضايا أو يجاوزها إلى أخرى تهم مصير كل المجتمع وليس فئات منه فقط. ويتطلب هذا المنحى التخلي عن كثير من العادات والتقاليد وأنماط التفكير القبلية، أو الإقليمية، أو المذهبية، أو الحزبية المحلية التي تعيق انتشار “الفكرة الجامعة”، وتحول دون توسعها من محيطها الخاص الضيق إلى المحيط العام العالمي الواسع.
خاتمة
بحثنا عن أسباب القطيعة فتناولنا منها الأسباب الحزبية والقبلية والتواصلية والاختراقية ،والقصد من ذلك فهم الموانع التي تحول دون استيعاب حقيقة التعددية بما يضمن استدامة أمرين لا غنى عنهما لكل رقي ونماء: الحرية الفردية والتماسك الاجتماعي، والحقيقة أن نهضة الأمة رهينة بحسن التعامل مع عنصري هذه المعادلة الصعبة ( الحرية الفردية، والتماسك الاجتماعي ) فلا نضحي بالحرية في سبيل تماسك اجتماعي وهمي ما يلبث أن ينهار عند أول هزة، كما ينبغي ألا نضحي بالتماسك الاجتماعي من أجل انفلات قيمي وأخلاقي يسمى ـ من غير وجه حق ـ حرية، أو من أجل فوضى عرقية ولغوية تدعى ـ زورا ـ حقوقا ثقافية.
فلا الحرية تعني التسيب والفوضى، ولا التماسك يعني فرض الرأي الواحد والمذهب الواحد، كلاهما موهن للوعي مفقر للثقافة، والحل؟
أولى شروط الحل تكمن في ضرورة التمييز الفاصل والدقيق بين الحرية والفوضى، ثم بين الاستبداد والرغبة المشروعة في تحقيق التماسك، ويكون ذلك عبر انخراط العلماء والمثقفين ومختلف الفاعلين الاجتماعيين والتربويين في بناء مشروع مجتمعي متجدد بذاته على أسس ثلاث:
– قيم أخلاقية ثابتة مطلقة يتم العمل بها ومن أجلها (ومن ضمنها الحرية والتعددية وتكافؤ الفرص..) – أرضية مشتركة عملية ترصد الهدف وتوحد الجهود في اتجاهه.
– جهود تربوية طويلة الأمد تربي الأجيال على الخلق القويم وعلى قيم المحبة والتعاون والبناء على المشترك الوطني والإنساني.
ومن أجل تحقيق ذلك ينبغي خلق عقلية جديدة قوية ومنفتحة من خلال تعبئة ودعم مختلف مؤسسات المجتمع المدني، ابتداء من التعليم بمختلف أسلاكه وتخصصاته ،إلى مختلف الأجهزة الحكومية كوزارات الثقافة والأوقاف والشؤون الاجتماعية ،إلى المؤسسات السجنية إلى المؤسسات الإعلامية والجمعيات الوطنية والمحلية….
إن للتاريخ أهدافا وغايات تتحقق من خلال إرادة الشعوب وتضحياتها وتكتل جهود المخلصين من أبنائها- مهما اختلفت آراؤهم- في مواجهة تحديات واقعهم، فإن فشلت الشعوب في رص صفوفها كان ذلك إيذانا بدخولها المرحلة الأخيرة من سياق تطورها التاريخي: مرحلة التفكك والتشتت.
وهذا ما أدركته قلة من المثقفين فدعت إلى تجاوز القطيعة والإقصاء المتبادل عبر ما قد يسميه بعضهم “بالكتلة التاريخية” أو الآخرون “بالوعي الذاتي”(1) ورغم الصدى الطيب الذي لاقته تلك الأصوات فإنها لازالت في مجموعها على هامش الأحداث، مما يجعلنا نزعم أن أصحابها يشكلون على اختلاف توجهاتهم ما يمكن تسميته “بالفئة الهامشية”(1) المناضلة من أجل مبادئ اللا إكراه.
إن هاته “الفئة الهامشية” تسير ببطئ في جو موبوء بالإقصاء والإقصاء المضاد، لكن أعدادها يتزايدون باستمرار متحدين أساليب العنف والاضطهاد، وأنصارها من بين المثقفين في تزايد، وللمثقفين تلاميذ وأنصار سلميون، وسلميتهم أقوى من الرصاص، وهذا ما يجعلنا نتفاءل خيرا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- ميز برهان غليون بين حالة القطيعة وحالة التناقض، فالقطيعة الناجمة عن فصام الوعي والثقافة حالة مرضية تؤدي إلى التدمير المتبادل ورفض التعامل مع الطرف الآخر أو الإصغاء إليه أو السعي إلى فهمه ،أما التناقض فهو تعبير عن اختلاف داخل وحدة، وعن أجزاء داخل كلية فكرية واجتماعية، ومجرد قبول تحويل القطيعة إلى تناقض يعني أن المجتمع بدأ يسير في اتجاه تحقيق وحدة متناسقة متكاملة تعترف بالتعددية وتجعل من التعددية حزام أمان بوجه قوى المجتمع…انظر نقد السياسة، الدولة والدين برهان غليون المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الثانية 1993.
2- المستشار طارق البشري، حول منهج النظر في النظام السياسي المعاصر، بحث مقدم لندوة العالم الإسلامي والمستقبل، مركز دراسات العالم الإسلامي، الطبعة الأولى ، ص 239.
3- يلاحظ طارق البشري أن حزب الوفد قد نشأ بحركة توكيلات كان المواطنون يوقعونها، وظل يسمي نفسه الوفد المصري، وهو يقصد المعنى اللفظي الذي لا يطمسه كونه اسم علم، وذلك تأكيدا للصفة النيابية عن الأمة، وقد اعتبرت الهند في ذاتها برنامج حزب المؤتمر، وباكستان هي ذاتها برنامج حزب الرابطة الإسلامية، المرجع السابق ص: 247، وفي هذا السياق نجد أغلب الحركات الإسلامية قد تفادت بادئ نشوءها تسمية نفسها بحزب،وفضلت استعمال “جماعة “أو”حركة ” شعورا منها بأن مفهوم الحزب أضيق من أن يعبر عن آمال وطموحات وقيم ومبادئ الجماعة ذات المشروع الذي يعبر عن المشترك بين كل المواطنين لا بعضهم ، بل كثيرا ما كان مشروع “الجماعة” يتجاوز القطر إلى دائرة أكبر وأوسع ،دائرة الأمة الإسلامية الواحدة ، ولما تطور أداء أغلب الحركات والجماعات الإسلامية أدركت ضرورة إنشاء أحزاب تعبر عن الجزء في إطار الكل المحتفظ به وعدم المتخلى عنه .
4- محمد جابر الأنصاري. تجديد النهضة باكتشاف الذات – المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى، 1992 ص: 114
5- المرجع السابق ص: 113
6- أنظر محمد عابد الجابري – مسألة الهوية – العروبة – الإسلام… والغرب مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة الثقافة القومية رقم (27)، قضايا الفكر العربي رقم (3) ص: 28-29
7- كانت المعارف في العالم الإسلامي في عمومها متزامنة مع زمانها حتى قبيل عصر النهضة الغربية، فلما تأكد تخلف المسلمين نتيجة تقلبات دولية ، ونتيجة صراعاتهم الداخلية خاصة بين الدولتين الصفوية والعثمانية تراجعت العلوم هنا ،وتقدمت بسرعة هناك ، فاحتاج المسلمون إلى ما عند الآخرين من معارف ولم يستغنوا عن معارفهم القديمة التي لا زالوا يرونها ضرورية لحياتهم اليومية وثقافتهم وتماسك مجتمعاتهم ،ولما كان من المستحيل تحقيق الانسجام بين معرفتين مختلفتين من حيث ظروف وسياقات النشأة، ومن حيث تفاوت سرعة الحركة ومستوى التطور، ومن حيث اللغة والمفاهيم والإشكالات المطروحة، ومن حيث النصوص الدينية والفلسفية المؤسسة لكل منهما، كان لابد من ظهور ازدواجية معرفية أثرت في كل مكونات المجتمع، وأعادت إنتاج نفسها تربويا وتعليميا في صورة تعليم ذي وجهتين غير منسجمتين وجهة تقليدية وأخرى عصرية، بينهما تكامل كبير من جهة وتنافر عظيم من جهة أخرى ، فأثر ذلك على المجتمع وأعاق سيره ، بينما لا تجد الشعوب الغربية في -عمومها – نفسها أمام مثل هذه الازدواجية باعتبار أن تطورها ناتج عن تراكم معرفي داخلي منسجم ،فالقديم شكل أرضية انطلاق قوية وموحدة قادت إلى المعاصر ، وكان كل جديد معرفي يتم التوصل إليه داخليا أو استيعابه من الخارج يدمج تلقائيا في البناء المعرفي الموحد في عملية تراكمية مستمرة أدت إلى ما نشهده اليوم من تطور طبيعي كان فيه القديم مؤديا الجديد، لا منافسا له كما هو الحال عندنا ، بينما نجد دول شرق آسيا -خاصة الصين واليابان – قد عانت من آثار الازدواجية مثلنا، لكنها نجحت منذ أواخر القرن التاسع عشر في تجاوزها عبر عملية تركيب مستمرة أحيت فيها القديم وطورته وأدمجته في المعاصر. وإذا كانت تعاني أيضا من الازدواجية. يمتد بجذوره إلى القديم، وهو بذلك أصيل لا دخيل مما مكن من تحقيق انسجام معرفي نفتقده نحن في واقعنا
. 8- والحال أن الوجهة وجهتان ،وأرضية الانطلاق أرضيتان ،والمطلوب اتحاد وانسجام ثقافي ومعرفي يكون فيه الأصيل مؤهلا لإنتاج الجديد ،لا مجرد متلقف له من الخارج وباحث له عن مكان في الداخل عبر التأصيل والتأويل .
9- يحيل لفظ “مصطلح” مباشرة إلى مفهوم “الصلح”، فكأنما كان الناس مختلفين في شأن الألفاظ ودلالاتها على المعاني وانعكاساتها على الواقع فاصطلحوا (ووقع الصلح بينهم) على أساس أن هذا اللفظ يحيل إلى هذا المعنى لا إلى شبيهه، والحال أن كل المجتمعات بحاجة إلى إعادة دائمة “للاصطلاح” على أسس جديدة، إذ اللغة كسائر مرافق الحياة في تطور دائم، وما لم تتم مواكبة هذا التطور بإعادة الصلح (الاصطلاح) على الأسس الجديدة فإن الحياة الثقافية سوف تتخلف، وبتخلفها يدخل المجتمع في صراعات ذاتية قد تكون أولى مراحل التفكك والتحلل.
10- في زحمة السجال الإيديولوجي بين المذاهب والتيارات كثيرا ما تغيب الأهداف الموضوعية وتصبح الغاية هي القضاء على الخصم – كما ألمحنا إلى ذلك من قبل – وقد تستولي رغبة القضاء هاته على البعض إلى درجة أن ينسى المرء منهم أهدافه الموضوعية والأصلية… ويمثل خالص جلبي على ذلك بصورة “مصارع الثيران” حيث يتحول كل اهتمام الثور في الصراع إلى الطعن في الخرقة الحمراء التي تلوح له، و يستفرغ طاقته في صراع فاشل ضد وهم متحرك. وسواء كان الصراع ضد الشخص أو من أجله، فذلك يعكس واقع ثقافة مريضة أو غير ناضجة، بنظر في: خالص جلبي في النقد الذاتي – ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة، 1985، ص: 220.
11- سورة البقرة، آية: 255 من المفكرين من يرى أن مسار الإنسانية ينبغي أن يكون في ترق مستمر حتى يصل على مفهوم اللائكراه الوارد في سورة البقرة انظر جودت سعيد، مفهوم التعبير، مجالس بئر عجم، دار الفكر المعاصر لبنان، 1995، ص: 38 – 39.
12- قد نحتاج هنا إلى بيان أن نجاح الفكرة الجامعة يتوقف على ما نسميه”الفصل التكاملي بين حقلي الثوابت، والمتغيرات”، فالصراع الذي يهدد ثوابت الحياة لا يمكن التوصل فيه ” لحل جامع” وهكذا يستحيل الجمع بين فكرتي الظلم والعدالة، أو الحرية والاستبداد، أو الديمقراطية والديكتاتورية، أو الإيمان والكفر…إلخ فإن حدث كان تلفيقا، مجال الجمع هنا هو مجال المتغيرات الواسع، أما الثوابت فالجمع يتحقق لها ومن أجلها.
13- وهذا ما استهدفه ابن رشد في الجمع بين الحكمة والشريعة وقصده ابن تيمية في الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول واتجه إليه فيما بعد محمد عبده ورشيد رضا ومن تبعهما.
14- نادى بالعبارة الأولى محمد عابد الجابري في كتابه وجهة نظر إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، وبالثانية برهان غليون في كتابه اغتيال العقل في حين ينادي محمد الساسي بضرورة قيام تحالف إسلامي علماني.
15- يسمي ارنولد توينبي هذه الفئة بالبروليتاريا الداخلية أ انظر مختصر دراسة للتاريخ.